علي بن محمد البغدادي الماوردي
88
أدب الدنيا والدين
كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً وقد قال قتادة « 1 » في قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ إنه العالم بما علم . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ويل « 2 » لجماع القول ويل للمصرين » يريد الذين يستمعون القول ولا يعملون به . وروى عبد اللّه « 3 » بن وهب عن سفيان أن الخضر على نبينا وعليه السلام قال لموسى عليه السلام : يا ابن عمران تعلم العلم لتعمل به ولا تتعلمه لتحدث به فيكون عليك بوره « 4 » ولغيرك نوره . وقال علي بن أبي طالب : إنما زهد الناس في طلب العلم لما يرون من قلة انتفاع من علم بما علم . وقال أبو الدرداء : أخوف ما أخاف إذا وقفت بين يدي اللّه أن يقول قد علمت فما ذا عملت وكان يقال : خير من القول فاعله وخير من الصواب قائله وخير من العلم حامله . وقيل في منثور الحكم : لم ينتفع بعلمه من ترك العمل به . وقال بعض العلماء : ثمرة العلم أن يعمل به وثمرة العمل أن يؤجر عليه . وقال بعض الصلحاء : العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل . وقال بعض الحكماء : خير العلم ما نفع وخير القول ما ردع . وقال بعض الأدباء : ثمرة العلوم العمل بالمعلوم . وقال بعض البلغاء : من تمام العلم استعماله ومن تمام العمل استقلاله « 5 » فمن استعمل علمه لم يخل من رشاد ومن استقل عمله لم يقصر عن مراد . وقال أبو تمام « 6 » الطائي :
--> ( 1 ) قتادة : هو ابن دعامة السدوسي البصري التابعي أجمعوا على جلالته وحفظه ، وتوثيقه واتقانه وفضله ولد أعمى . قال الزمخشري : لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة صاحب التفسير . توفي بواسط سنة 117 ، وهو ابن 56 سنة . ( 2 ) ويل : اسم واد في جهنم يهوي به الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره . ( 3 ) عبد اللّه بن وهب : ابن مسلّم البصري قال أحمد : هو صحيح الحديث ، يفصل السماع من العرض ، والتحديث من الحديث توفي بمصر سنة 197 . ( 4 ) بوره : بضم الباء ، يستوي افراده وجمعه وتذكيره وتأنيثه ، لأنه في الأصل مصدر ، يقال : رجل بور ، وامرأة بور ، أي فاسد هالك لا خير فيه ، والبور : الأرض الميتة . ( 5 ) استقلاله : عدّة قليلا . ( 6 ) حاتم الطائي : هو ابن عبد اللّه بن سعد ، يكنى « أبا سفانة » و « أبا عدى » فارس ، شاعر ، جاهلي ، أحد الأجواد الذين يضرب بهم المثل ، بل هو أشهرهم ، وهم كعب بن أمامة ، وهرم بن سنان ، وحاتم ، وكان إذا قاتل غلب ، وإذا غنم نهب ، وإذا سئل وهب ، وإذا قامر سبق ، وإذا أسر أطلق ، وإذا أثرى أنفق . أدرك مولد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن كرم كعب بن أمامة : انه كان في سفر فآثر رفيقه السعدي بمائة ، فمات عطشا . والبيتان لأبي تمام ، لا للطائي ، قاله السقا .